مصطفى صادق الرافعي

46

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أما اللغات التي نزل بها القرآن غير لغة قريش ، في لغة بني سعد بن بكر الذين كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم مسترضعا فيهم ، وهي إحدى لغات العجز ، من هوازن ، ثم سائر هذه اللغات وهي جشم بن بكر ، ونصر بن معاوية وثقيف ، وتلك هي أفصح لغات العرب جملة ، ثم خزاعة ، وهذيل ، وكنانة ، وأسد ، وضبّة ، وكانوا على قرب من مكة يكثرون التردد إليها ومن بعدهم قيس وألفافها التي في وسط الجزيرة « 1 » . قال بعض العلماء : وقد كانت في القرآن ألفاظ من لغات أخرى كقوله : لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ أي لا ينقصكم بلغة بني عبس ، ونقل الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر . أن في القرآن من أربعين لغة عربية ، وهي : قريش ، وهذيل ، وكنانة ، وخثعم ، والخزرج ، وأشعر ، ونمير ، وقيس عيلان ، وجرهم ، واليمن ، وأزد شنوءة ، وتميم ، وكندة ، وحمير ، ومدين ، ولخم ، وسعد العشيرة ، وحضر موت ، وسدوس ، والعمالقة ، أنمار . وغسان . ومذحج وخزاعة ، وغطفان ، وسبأ ، وعمان ، وبنو حنيفة ، وثعلب ، وطيّ ، وعامر بن صعصعة ، وأوس ، ومزينة ، وثقيف ، وجذام ، وبلى ، وعذرة ، وهوازن ، والنّمر ، واليمامة . ا ه - . ولا سبيل إلى تحقيق لك ؛ لدروس هذه اللغات وتداخلها وتقطع أسباب المقارنة بينها وبين لغة قريش التي مضوا على استعمالها بعد القرآن وأطبقوا عليها ، والعلماء إنما يذكرون من أكثر هذه اللغات في القرآن الكلمة والكلمتين ، إلى الكلمات القليلة : وانظر أين يقع مبلغ ذلك من لغة بجملتها ؟ . ولقد ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرءوه بلحونهم وإن اختلفت وتناقضت ؛ ثم بقي مع ذلك على فصاحته وخلوصه . لأن هذه الفصاحة هي في الوضع التركيبي كما أومأنا إليه آنفا ، وتلك سياسة لغوية استدرج بها العرب إلى الإجماع على منطق واحد ليكونوا جماعة واحدة ، كما وقع ذلك من بعد ؛ فجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في منطق الكلام ، كتحقيق الهمز وتخفيفه ، والمد والقصر ، والفتح والإمالة وما بينهما ، والإظهار والإدغام ؛ وضمّ الهاء وكسرها من عليهم وإليهم ، وإلحاق الواو فيهما وفي لفظتي منهمو وعنهمو ، وإلحاق الياء في إليه وعليه وفيه ، ونحو ذلك ، فكان أهل كل لحن يقرءونه بلحنهم . وربما استعمل القرآن الكلمة الواحدة على منطق أهل اللغات المختلفة فجاء بها على وجهين لمناسبة في نظمه : كبراء ، وبرئ ، فإن أهل الحجاز يقولون : أنا منك براء ، لا يعدونها ، وتميم وسائر العرب يقولون : أنا منك بريء ، واللغتان : في القرآن .

--> ( 1 ) تكلمنا في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب عن أفصح قبائل العرب ، فارجع إليه .